هذا الموقع عربون وفاء للاديب محمد زهير الباشا الذي أهدى الأدب المهجري دراسة بعنوان: شربل بعيني ملاح يبحث عن الله

محبة محمد زهير الباشا السرمدية


يقولون أن المحبة تموت أحياناً، وأن البعد يسبب الجفاء، ولكن الأديب العربي الكبير محمد زهير الباشا أثبت العكس، فمحبته أبدية سرمدية، وها هو يثبت ذلك في رسالته الأخيرة التي وصلتني من فرجينيا، انتقي منها الآتي:
"الأخ الأحب شربل، شاعر الثوار والأحرار
ألف تحية وألف سلام..
وإني تألمت كثيراً، وأنا أعاني من تأنيب الضمير لأني لم أتمكن من تهنئتك بعيد الفصح، ولم أستطع أن أرسل اليك بطاقة تهنئة بعيد ميلادك، فاعذرني أيها الأخ الأعز".
أقرأتم ما كتب؟
فوالله والله، لن تلد الأمهات أنبل من هذا الصديق، ولا أرق عاطفة، وعمق محبة.
إنه الغارق بالتواضع، السابح في بحر الأشواق، الحامل هموم شعبه:
"كم أفتخر بروعة تقديمك لأفكار البشر بأفضل الأبحاث والموضوعات التي تفيدهم".
هذا هو الباشا، لا يفكر إلا بما يفيد أمته، لماذا؟:
"لأن المحبة نور، والحب ينبوع الرؤى، ونبض شعرك في أروع الصور، ذلك أن الحب في دواوينك صوره في طقوس خالدة أبد الدهر".
وبعد كل هذا الكلام الجميل يعيد الاعتذار لتأخرّه بالمراسلة، ومن حقه علي أن أعتذر أنا له لا العكس:
"اعذرني أيها الاخ الأعز على هذا التأخير، فليس من عادتي، ولكن أمور الدهر أقوى، وأعباء هذا الزمن أقسى من تجاذبات اليأس. وأقرأ صفحة "الغربة" التي تمحو مآسي الأحداث".
رسالتك هذه، ايها الكبير أدباً وخلقاً، ستهنئني بجميع الأعياد، وستخبرني حكاية أديب عربي حمل حقائبه ورحل الى البعيد، الى بلاد جديدة ولغة جديدة، ولكنه بقي في قلوبنا جميعاً.
شربل بعيني

معايدة محمد زهير الباشا لشربل بعيني 2014

منذ معرفتي الأدبية به، لم تمر سنة دون أن يعايدني بها الاديب السوري الكبير محمد زهير الباشا، "بكلمات ليست كالمات" بالإذن من صديقنا الراحل الباقي نزار قبّاني، تزرع البهجة في غربتي الأسترالية، وتنقلني الى الولايات المتحدة الاميركية لأكون بقربه، واليكم بعض ما كتب:
إلى الأخ الأعز شربل بعيني،
إلى شاعر الثوار وشاعر الأحرار،
أحييك يا شقيق الروح بأطيب تحية، وأنت بصحة جيدة، وإرادة متجددة، وعزيمة لا تلين.
وأبارك لك ولأسرة "الغربة" بعيد الميلاد وقدوم عام جديد، وأنتم جميعاً تتنعمون بالفرحة والسعادة، كلما سطعت أمواج العودة وبسطت أجنحتها بالفرحة على مسار طويل وشاق للخلاص من الأدران ومن تبييض العقول. 
قبل ما يزيد عن ألف عام قال شيخ المعرّة:

الأرض للطوفان مشتاقة
لعلها من درن تغسل..
دمت يا أخي عزيز الجانب بالكلمة الصادقة والمواقف النبيلة، وكل سنة وأنتم على النجاح سائرون صباح مساء.
واسلم لمن يحبك
محمد زهير الباشا
فرجينيا 18/12/2014
**
أطال الله بعمرك يا أخي محمد زهير الباشا، وكل عام وأنت مبدع.

الأديب محمد زهير الباشا يستنكر جريمة سيدني الارهابية

أخي الأحب شربل بعيني

يا شقيق الروح ويا أغلى الأوفياء

الحمد لله أن سلم سدني وأهلها من الأيدي الآثمة الغادرة ... ولا يمكن أن تخدع هذه الشراذم أصحاب الفكر الحر والرأي الثائر.  ولن تساس الأمم بمثل هذه الترهات والأباطيل والأساطير التي أباحت لهم القتل والتشريد والإذلال وتجويع الأطفال وابتزاز (الإماء) والقاصرات..

إن إرادة الحرية والثورة ستجعل العالم في هناءة يتنعم بالأمان والسعادة والمستقبل المتفتح على كل الأفكار والرؤى التي تخدم الإنسانية.

حياك الله مع تحياتي لك ولأسرة الغربة متمنيا لك المزيد من العطاء النير الذي يحطم القيود بقصائدك المضيئة للحاضر والمستقبل..

واسلم لأخيك

محمد زهير الباشا

فيرجينيا في 16/12/2014م

قبسات من الأدب المهجري 11

من المستشفى، حيث يعالج، بعث الأديب الكبير محمد زهير الباشا برسالة سريعة، يبدي فيها فرحته بصدور كتاب صديقه الراحل الباقي نعمان حرب بعنوان: "شربل بعيني شاعر العصر في المغتربات" الذي جمعه وقدم له الزميل اكرم المغوّش، وها نحن ننقل بعص المقاطع من الرسالة، ولسان حالنا يردد: شفاك الله يا محمد زهير الباشا:
"الى الأخ الأحب شربل
فوجئت بكتاب "قبسات من الأدب المهجري 11"، لأخينا نعمان حرب، عن شاعر الثورة والأحرار شربل بعيني، فكان هذا الكتاب فاتحة وبشارة فرحت به، ونسيت غيابي في المستشفى، وبدأت بتلاوته على مهل، وانقطاع، ثم عودة.
إن وصول هذا السفر من الدراسات دواء لي، ولنفسي.
متمنياً لك النجاح في أدبك وشعرك، وأن تبقى محلقاً في عالم الفن والاعلام، وأنا معك كل دقيقة في موقع الغربة".

محمد زهير الباشا يعيدنا الى بلاط سيف الدولة

بقلم شربل بعيني
تحس وأنت تقرأ دراسة الأديب الناقد محمد زهير الباشا "المتنبي يجلو مقلتيْ نسر" انك في بلاط "سيف الدولة"، وان جميع الشعراء والنقّاد، بمن فيهم "ابو فراس الحمداني"، قد بايعوا "أحمد بن الحسين بن عبد الصمد الجعفي" أميراً عليهم دون منازع، ولرأيت بأم عينك النحوي "عبدالله بن خالويه" ينحني أمام المتنبي مقبلاً يديه، وهو يتمتم بأسف بالغ: أغفر لي أيها الكوفي العظيم حسدي ونميمتي، فالمفتاح الذي ضربتك به حتى سال دمك، أصاب مني مقتلاً، خاصة عندما سمعتك تقول: ويحك أيها ألأعجمي، لم يبقَ إلا أنت تخوض في العربية؟.
لقد عرّى "الباشا"، في دراسته هذه، حقبة تاريخية مهمة من كل أوراق التين التي سترت بها عورتها، رافضاً الكثير من ثرثرات باحثيها، ومنقحاً العديد من آراء نقادها، وها هو يقرّ: "أفضل لدي أن أقول: ان ميتة المتنبي كانت بكمين نصبه له الأعاجم، من أن أؤمن برواية فاتك وأمه الطرطبّة".
ولكي يزيدنا دهشة فوق دهشة يدعي "انهم انتحلوا قصيدة الهجاء المقذعة، وتداولها أهل ألدب، وكأنها من بداهة الأحداث". إذن، فمحمد زهير الباشا ينكر علينا معظم، ان لم أقل كل ما تعلمناه في مدارسنا عن المتنبي، ويدعونا الى التبصّر وتحليل جزئيات التاريخ لنصل الى الحقيقة، اذ أن المتنبي بنظره "لا يلتفت الى أمثال هؤلاء، ولا تتدنى كلماته الى حضيض من لؤم وسفاهة، فقد عاش فارساً ومات فارساً".
محتوى الكتاب قسّمه الباشا الى أبواب عديدة سرابية الصفحات، تبعد الملل وتشد الانتباه، منها:
ـ اهداء ودعاء:
وفيهما يتذكر تلك "النعمة" التي "ذاقت مرارة الطغيان، وما استسلمت لقدر الزبانية" فيقف على قبرها مردداً ما خطّته يدها قبل الرحيل:
اللهم اجعل ثأرنا على من ظلمنا
ولا تسلّط علينا من لا يرحمنا
ـ المتنبي أحمد بن الحسين
وعنه يقول:
"كان سابحاً في كل بحر
غرائبه جزر للهواة
متفوّقاً في قوله
السحر في نباهته
متقدماً في وقفته
لا يخشى الحسد
وتقتله السذاجة المفرطة
.. الى آخر لحظة رفع سيفه وشهامته
وما أظلمت الدنيا مرة
إلا وكان بريق شعره منارة".
لله درّك يا "باشا" على هذه الدرر الكلامية المثقلة بالبلاغة والإيجاز، والتي تحاكي بنبضاتها البيانية نبضات المتنبي.
ـ غزله: فراشة لونتها الطبيعة
وأعتقد أن هذا الباب هو الأهم في دراسة "الباشا" لأن المأخذ الوحيد على المتنبي هو قاّة غزله وبلقعيته، فإذا بنا نقرأ أن المتنبي "كان يفضّل البدوية على بنات الحضر، لحسنها وريح مسكها:
أين المعيز من الارام ناظرة
وغير ناظرة في الحسن والطيب
فنساء الحضر، يفسّر "الباشا"، كالمعيز، أما بنات البادية فكالارام ببياضهن، وحسنهن. والمتنبي في غزله البدوي يرغب بها بعيدة عن ألوان التصنّع:
افدي ظباء فلاة ما عرفن بها
مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
فوالله، والله، لو جاء المتنبي في عصرنا الحاضر، وهذا رأيه "بالحضرية، ومضغ الكلام، وصبغ الحواجيب" لبقي عازباً الى أبد الآبدين.. آمين.
ما لنا وله.. لنعد الى غزله الرائع الذي بزّ عمر بن أبي ربيعة بأشواط:
شآمية طالما خلوت بها
تبصر في ناظري محيّاها
كل جريح ترجى سلامته
إلا فؤاداً رمته عيناها
تبل خدي كلما ابتسمت
من مطر برقة ثناياها
حيث التقى خدّها وتفاح
لبنان.. وثغري على حمياها
ألا تقول يا عزيزي محمد زهير الباشا ان ابيات المتنبي هذه أقرب الى العامية منها الى الفصحى، ولهذا حفظت أشعاره، وتناقلتها العامة جيلاً بعد جيل، وان وزارة الزراعة اللبنانية لو عرفت كيف تستغل دعاية شاعر الشعراء المجانية لتفاح لبنان، لما كسد موسم زراعي واحد.
أجمل ما في غزل المتنبي تلك الاباحية الجريئة في أيامه، الخجولة في أيامنا:
أزورهم وسواد الليا يشفع لي
وأنثني وبياض الصبح يغري بي
وأيضاً:
قبّلتها ودموعي مزج أدمعها
وقبّلتني على خوف فماً لفم
قد ذقت ماء في مقبّلها
لو صاب ترباً أحيا سالف الأمم
أجل، لقد أحيا شعر المتنبي، لا ماء مقبّلها، سالف الأمم، وسيحيي أمماً تترى، ما بقي للشعر "أنبياؤه" وللنقد "باشاواته" وللاثنين قراء ومعجبون.
العالم العربي، العدد 49، 31 آب 1993
**